لمحات من التاريخ القديم  دولة الإمارات العربية المتحدة   مفتاح الإمارات


 

لمحات من التاريخ القديم


تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة إرثاً غنياً ومتنوعاً يتضمن تاريخاً ضارباً في القدم من المستوطنات البشرية وتنوعاً في البيئات الطبيعية والحياة البرية الحيوانية والنباتية، هذا بالإضافة إلى تراث وتقليد بشري حيوي من الموسيقى والأدب، والشعر، والصناعات اليدوية والشخصية الفريدة لشعبها. وعلى الرغم من الأولويات الاقتصادية وعمليات التنقيب عن النفط والماء، إلا انه كانت هناك أيضا اهتمامات اجتماعية وفكرية قوية فيما يتعلق بالآثار والحياة البرية.

ويوجد بدولة الإمارات أكثر من 330 مبنى وموقعاً أثرياً وتراثياً. واستضافت دولة الإمارات في مدينة أبوظبي في العام 2001 المؤتمر الدولي الأول لآثار الإمارات الذي نظمه مركز زايد للتراث والتاريخ بالتعاون مع وزارة الإعلام والثقافة، وشارك فيه 40 عالماً ومتخصصاً في آثار الخليج من مختلف دول العالم، بأكثر من 45 ورقة عمل وبحث أجمعت على أن المنطقة كانت واحدة من أهم مناطق الجزيرة العربية التي لعبت دوراً مهماً في تطور الحضارة البشرية منذ أكثر من أربعة آلاف عام. كما أكدت مداولات المؤتمر أن دولة الإمارات تنتشر فيها الكثير من المواقع الأثرية الممثلة للعصور الحجرية خاصة المستوطنات والمدافن في المنطقة الساحلية قرب أبوظبي ورأس الخيمة ومضيق هرمز، حيث تشير هذه المكتشفات الأثرية إلى وجود حياة حضرية مستقرة تأثرت بالحضارات المجاورة مثل حضارة وادي الرافدين والسند وبلاد اليمن.

وتضطلع بمهام التنقيبات عن الآثار في الدولة، العشرات من الفرق الوطنية والبعثات الأثرية العربية والأجنبية من بينها بعثات من العراق وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان وإسبانيا واستراليا.

وتوصّلت فرق من المسح الأثري لجزر أبوظبي (أدياس) إلى اكتشافات أثرية مهمة خلال العام 2003 من بينها اكتشاف ثلاثة مواقع بها آثار أقدام لأفيال وحيوانات أخرى قديمة في المنطقة الغربية يعتقد أنها تعود لحوالي 6 إلى 8 ملايين عام في منطقة بينونة شرقي غياثي، والعثور في منطقة الرويس بالمنطقة الغربية على أضخم سنّ فيل أحفورية يتم اكتشافها على الإطلاق في منطقة الشرق الأوسط ويبلغ طولها 2.54 متر، ويعتقد أنها تعود إلى العصر الميوسيني المتأخر أي إلى حوالي 6 إلى 8 ملايين عام، حينما كانت المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي منطقة سهول سافانا غنية بالأشجار والأنهار البطيئة الحركة تماماً. كما أعلنت فرق المسح الأثري لجزر أبوظبي في بداية شهر يناير 2004 العثور على مجموعة من المنازل الصخرية القديمة التي يعود تاريخها إلى حوالي سبعة آلاف عام في جزيرة مروح في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي، فيما يعتبر الاكتشاف الأقدم من نوعه على الأطلاق في دولة الإمارات.

كما تم العثور أيضا خلال الحفريات على رمح ورأس سهم من حجر الصوان، بالإضافة إلى حطام يد هاون حجري ربما كان يستخدم لطحن المواد الغذائية.

وقد أثبتت نتائج الدراسة أن المباني كانت تستخدم قبل حوالي 6500 إلى 7000 سنة.

كما أكدت نتائج الحفريات التي أجريت في جزيرة دلما في عامي 1993 و1994 وعام 1998 أهمية جزر أبوظبي خلال العصر الحجري المتأخر، حيث تم العثور على آثار مبانٍ دائرية مشيدة على أعمدة خشبية، وأظهر تحليل الفخاريات بالأشعة الكربونية من هذه المباني ومواقع أخرى وجود استيطان بشري على الجزر قبالة الساحل، يعود تاريخه إلى حوالي سبعة آلاف عام، إذ كان السكان آنذاك يعملون في التجارة عبر السفن مع بلاد الرافدين (العراق الآن) وكانت تلك هي بداية تقاليد التجارة البحرية الإماراتية الراسخة.

السجل الأثري لدولة الإمارات: 31 عاما من الاكتشافات

إن قلة من الناس يمكن أن يتخيلوا، أن دولة الإمارات التي قامت في الثاني من ديسمبر 1971، تمتلك إرثاً تاريخياً يُعتدّ به، أو أن هذا الكم الهائل من الاكتشافات الأثرية الهامة يمكن أن يتحقق في هذه الفترة الزمنية الوجيزة. فمنذ الأيام الأولى لتوليه مقاليد الحكم كرئيس للدولة الناشئة الفتية، كان اهتمام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وحماسه لفهم كل ما يتعلق بهذه الأرض الطيبة وشعبها إيذاناً ببداية الاهتمام والحرص على سبْر أغوار هذا الماضي العريق، وكشف النقاب عن ما طواه الزمن واندثر تحت هذه الأرض. وشهد العقد الماضي تواصل مسيرة البحث الأثري بخطى ثابتة ومتسارعة مما أسفر عن العديد من الاكتشافات الأثرية الهامة التي تضمها حاليا المتاحف الأثرية في أنحاء البلاد كافة. واليوم، يمكن لشعب الإمارات أن يشعر بالفخر والاعتزاز بهذه الاكتشافات التي تعبر عن تاريخ وماضٍ أثري عريقين، يزيل كل الأفكار التي تشكك في عدم أهمية هذه المنطقة من الناحية التاريخية. فإذا كان ما يشاع صحيحا، فلماذا إذن تكبّد قدماء الاكديين أو الاخمينيون أو الأباطرة الساسانيون مشقة توسيع حملاتهم العسكرية ومحاولة مد نفوذهم إلى هذه المنطقة؟ إن عدم وجود سجل محلي مكتوب مقارنة بالسجلات المسمارية الاشورية في بلاد مابين النهرين، أو الحروف الهيروغليفية الفرعونية، يجب أن لا يعمى أبصارنا عن حقيقة، أن منطقة ما يعرف اليوم بدولة الإمارات كانت في العصور القديمة جزءا من الحضارة المتنوعة والمتعددة العناصر لمنطقة غرب آسيا القديمة، غنيًا بالموارد وهاماً من الناحية الاستراتيجية.

تراث الجزيرة العربية (5000 ق.م - 3000 ق.م) الجليدي الأخير قبل حوالي 000ر10 عام ونيف، وكانت الأحوال الرطبة نوعا ما التي أعقبته خلال الفترة من 8000 ق.م-3000 ق.م، توصف في أحيان كثيرة كظروف مناخية مثلى. فخلال هذه الفترة بالتحديد ظهرت أول مستوطنات بشرية مؤرخة في هذه المنطقة. وتم العثور على أدوات حجرية متعددة تعود إلى ما كان يسمى (تراث الجزيرة العربية المتعدد الأوجه)، في عدد كبير من المواقع في مناطق بيئية واسعة النطاق في جميع أنحاء الإمارات. وتشهد رؤوس السيوف الحادة، والرقائق والصفائح المعدنية، والأنصال والمدى والأدوات الأخرى على تنوع الأدوات التي كان يستخدمها المستوطنون الأوائل الذين ربما كانوا رعاة يمارسون الصيد أحيانا لتكملة وجباتهم أكثر مما هم صيادون لا يملكون الكثير من الحيوانات الأليفة المنزلية.

وقد تم أيضا اكتشاف أواني فخارية ملونة مستوردة من بلاد وادي الرافدين في عدد من المواقع الساحلية في دولة الإمارات، والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، وقطر والبحرين وجزر الكويت، كشفت عن وجود اتصالات بين هذه المناطق وشعوب جنوب العراق في العصر الألفي الخامس قبل الميلاد. ولعله من المهم تأكيد حقيقة أن جلب هذه الفخاريات إلى المنطقة لم يؤد مباشرة إلى نشوء صناعة فخار محلية، وهو أمر لم يظهر حتى القرن الألفي الثالث قبل الميلاد.

وقد توصلت التنقيبات الأثرية التي أجرتها دائرة الآثار في الشارقة بالتعاون مع بعثة الآثار والإنثروبولوجي الألمانية لعدة سنوات في موقع جبل البحيص والتي أعلنت نتائجها الأولية في 25 إبريل 2001 إلى أن هذا الموقع يعود تاريخه إلى 7 آلاف سنة قبل الميلاد ويمثّل مستوطَنا في عصر ما قبل التاريخ، وعثر فيه على بقايا المستوطَن التي تتمثل في تركيبات حجرية بسيطة ومواقد نيران كثيرة ومقبرة واسعة تجاوز عدد الهياكل العظمية فيها 600 هيكل عظمي، بالإضافة إلى جمجمة بشرية تبين بعد نتيجة الدراسات التي أجريت عليها أن صاحبها قد أصابه ورم في الدماغ وأجريت له عملية لاستئصال هذا الورم. وأكدت نتائج التنقيبات الأثرية أن هذه الاكتشافات تمثل وجود مقبرة تُعدّ من أقدم المكتشفات في جنوب شرق الجزيرة العربية، وتم استخدامها من قبل أقدم مستوطنين في هذه المنطقة خلال الفترة من 5200 إلى 4200 قبل الميلاد حيث عاش الناس في هذه المرحلة معتمدين على الزراعة وبعض الحيوانات المدجنة، وان هذا الموقع لم يكن المستوطنون يقيمون فيه بشكل دائم بل حسب المواسم، إلا أنه كان مهما جدا والسبب في ذلك أنهم كانوا يدفنون موتاهم فيه.

أواخر العصر الألفي الرابع ومطلع القرن الألفي الثالث قبل الميلاد(3100 ق.م-2500 ق.م)

وظهرت لأول مرة مدافن جماعية في شكل مقابر فوق الأرض، مشيدة من حجارة غير مصقولة في موقعين في دولة الإمارات العربية المتحدة هما جبل حفيت (بما في ذلك مزيد) وجبل املح. وتعتبر هذه المدافن التي سميت على الموقع الذي اكتشفت فيه لأول مرة، غير مسبوقة بأكملها في التسلسل الأثري المحلي. وهي تتضمن فخاريات من نوع عصر جمدت نصر في بلاد وادي الرافدين. وإضافة للفخاريات، عثر أيضا على خرزات مستوردة مربعة عظمية أو عاجية مع ثقبين مائلين. واليوم، لا يزال يتعين اكتشاف المستوطنات السكنية المطمورة في مدافن حفيت التي تعتبر نموذجا لمناطق جنوب شرق شبه الجزيرة العربية (توجد نماذج أيضا إلى الجنوب في عمان). وعلى الرغم من أنه لا يوجد دليل مادي بعد، إلا أنه يفترض عموما بأن تجارة النحاس كانت هي الدافع وراء الاتصالات التي تمت بين الإمارات وجنوب وادي الرافدين في عصر جمدت نصر.

منتصف وأواخر القرن الألفي الثالث قبل الميلاد (2500 ق.م - 2000 ق. م)
كانت المستوطنات الزراعية في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية تعتمد على زراعة أشجار النخيل. وبدون هذه الأشجار، لا يتوفر الظل اللازم لنموّ المحاصيل الزراعية الأخرى بما في ذلك الحبوب والخضراوات والفاكهة. ولدى ظهور البساتين إلى الوجود والتي تروى من مياه الآبار العذبة الموجودة في العديد من المناطق في دولة الإمارات، تم وضع حجر الأساس لتنمية أنماط الحياة في الواحات والتي كانت تميز مستوطنات الأودية في المنطقة. ولعبت حيوانات الرعي كالأغنام والماعز والماشية دورا هاما في تنمية وتطوير اقتصاد الواحات، إلا أن أيا من الأصناف الأخرى لم تكن بمثل أهمية أشجار النخيل في هذه العملية.

وهكذا، فقد قامت القرى الأولى في دولة الإمارات على أساس زراعي، ولكي يوفروا الحماية لاستثماراتهم في الأرض والماء والموارد الطبيعية، ربما شعر سكان هذه القرى بأنهم مضطرون لبناء تحصينات هائلة. وظهرت هذه المباني لأول مرة في منتصف العصر الألفي الثالث قبل الميلاد وتشبه من الناحية المعمارية مباني ما تسمى بفترة أم النار (2500 ق.م - 2000 ق.م). وقد تم اكتشاف نماذج من قلاع فترة أم النار في موقع الهيلى1، والهيلي 8، والبدية وتل ابرق وكلباء. وبينما يتراوح قطر معظمها بين 16 إلى 25 مترا، فإن قلعة تل أبرق التي يبلغ قطرها 40 مترا تعتبر الأكبر والتي لم يكشف النقاب عنها بعد.

وبصفة عامة، كان موتى فترة أم النار يدفنون في مدافن دائرية تواجهها كتل من الحجارة المربعة المنحوتة المبنية، على الرغم من وجود غرف مستطيلة ربما تكون من أجل إعادة دفن ثانوية للعظام من المدافن الدائرية التي امتلأت عن بكرة أبيها. واكتشفت نماذج مدافن أم النار الدائرية لأول مرة من قبل بعثة تنقيب دنماركية على جزيرة أم النار في أبوظبي في العام 1958. وهكذا منحت الجزيرة اسمها للفترة التي كانت تميزها هذه المدافن. وبحلول العام 1995 تم اكتشاف نماذج من مدافن أم النار في المناطق الساحلية والداخلية في أبوظبي (جزيرة أم النار، ومنطقة الهيلى)، ودبي (الصفوح وحتا)، وعجمان (المويهات)، وأم القيوين (تل أبرق)، ورأس الخيمة (شمل ووادي المونيعى). وتظهر النماذج المحفوظة جيدا بأن مئات الأفراد قد دفنوا في هذه المدافن مع سلسلة واسعة من المعدات بما في ذلك طاسات من الحجر الناعم، وأواني فخارية منزلية من الخزف الأسود/الأحمر من الصناعة المحلية، وأواني فخارية منقوشة باللون الرمادي ومطلية بلون اسود رمادي من جنوب شرق إيران أو بلوشستان، وأسلحة نحاسية/برونزية، ومصنوعات شخصية مثل الأسورة والقلائد تحتوى على آلاف الخرزات بعضها من وادي السند، إضافة إلى أدوات رائعة أخرى كالأمشاط العاجية ومصابيح من الجبس وملابس كتانية. وكان أكثر شئ مثيراً للدهشة في مدفن تل أبرق اكتشاف رفات شابة في العشرين من عمرها كانت مصابة بشلل الأطفال، وهو ما يعتبر أول حدوث مؤكد على الإطلاق لهذا المرض في السجلات الأثرية في أي مكان آخر في العالم.

وأظهرت الحفريات في موقع السماح في رأس الخيمة وجود أرصفة حجرية تتكون من منصات مرتفعة ومقابر تحت الأرض تعود أيضا إلى فترة أم النار وفقا للمكتشفات التي عثر عليها بداخلها. وتدل هذه المعالم الأثرية التي قورنت بالأعمدة الثلاثية القوائم والأرصفة المرتفعة المنصات في جنوب وغرب شبه الجزيرة العربية، على وجود درجة من التنوع الحضاري في أواخر العصر الألفي الثالث في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، لا يزال يتعين التحقق منه بصورة كافية.

مطلع ومنتصف العصر الألفي الثاني (2000 ق.م - 1200 ق. م)

كان يُعتقد، لعدة سنوات، بحدوث استمرارية رئيسية في التسلسل الآثاري لشبه جزيرة دولة الإمارات العربية المتحدة/عمان في نهاية القرن الألفي الثالث قبل الميلاد. وحقيقة الأمر أن العدد الإجمالي لمستوطنات أوائل العصر الألفي الثاني في دولة الإمارات لم يكن كبيرا، بيد انه ومن خلال تلك المستوطنات التي تمت دراستها، كتل ابرق وأيضا من المؤشرات السطحية في موقع مثل ند الزبة في رأس الخيمة، يتضح أن بعض المراكز السكانية كانت مأهولة بصورة متواصلة طيلة الوقت، ولم تظهر أية علامات (لتدهور) حضاري. وفي تل ابرق، على سبيل المثال، ظلت القلعة الضخمة التي تعود لعصر أم النار مستخدمة حتى منتصف العصر الألفي الثاني قبل الميلاد مع بعض التعديلات على الحوائط الخارجية وإنشاء مبان جديدة في الداخل. وإضافة لهذه التعديلات الهندسية المعمارية، لوحظ حدوث تغيير رئيسي في غذاء سكان الموقع، حيث اصبح السمك والمحار أكثر أهمية مما كانا عليه في أواخر العصر الألفي الثالث قبل الميلاد، ويشكلان حول 50% من جميع المتطلبات الغذائية. كما لوحظ أيضاً تحول مماثل من استغلال الحيوانات البرية إلى الموارد البحرية في منطقة (شمل) حينما ينتقل المرء من أوائل إلى أواخر العصر الألفي الثاني قبل الميلاد. إن مستويات فترة وادي سوق الأخيرة توازيها المستوطنات المأهولة في منطقة شمل في رأس الخيمة، حيث كانت تقع منطقة سكنية في اسفل جبال الحجر وعلى مرمى البصر من بحيرة أشجار القرم القديمة. وتشتهر منطقة شمل والمواقع القريبة منها مثل غليلة وضاية بمدافنها الجماعية العديدة التي تعود إلى فترة وادي سوق. إضافة لذلك فان المدافن تحت الأرض الشبيهة بحدوة الحصان في وادى القور في جنوب رأس الخيمة وواحة قدفع في الفجيرة لابد أن تعود أيضا إلى فترة وادي سوق، وكذلك المدافن الشبيهة بحرف T كتلك التي اكتشفت في ضاية البثنة. علاوة على ذلك فان المدافن المحفورة في داخل السبخة في منطقة القصيص في دبي تتضمن أيضا العديد من تلك التي تعود إلى فترة وادي سوق.

وكانت فترة وادي سوق جديرة بالملاحظة والاهتمام بسبب ازدهار صناعة الحديد فيها. وعلى الرغم من أن آثار تلك الفترة تعرضت للسرقة والنهب، إلا أن بعض مدافنها كتلك التي تشبه حدوة الحصان في منطقة قدفع استخرجت منها مئات القطع من الأسلحة والأواني. وبينما تميزت فترة أم النار بالخناجر والرماح، شهدت فترة وادي سوق إنتاج السيوف الطويلة والأقواس والسهام، ونوعاً جديداً وخفيفاً من رؤوس الرماح. ويوحي ظهور هذه الأسلحة، إلى جانب المئات من رؤوس السهام البرونزية الحادة الأطراف بتطور في تقنية الحرب خلال العصر الألفي الثاني قبل الميلاد غير مسبوقة في السجل الأثري المبكر في المنطقة.

نشأت في أواخر العصر الألفي الثالث قبل الميلاد صناعة الأواني الصخرية الناعمة من طاسات وأكواب وصناديق مقسمة إلى أجزاء مزخرفة بدوائر منقطة. وخلال فترة وادي سوق تزايدت أعداد الأواني الصخرية الناعمة المودعة في المدافن، كما أن الأشكال الجديدة بالإضافة إلى النقوش والخطوط المائلة والأفقية العنقودية الشكل أتاحت بسهولة فصل الأواني الصخرية الناعمة الأخيرة عن سابقاتها في العصر الألفي الثالث قبل الميلاد.

وأظهرت الدراسات التي أجريت على أسنان الموتى المدفونين في موقع شمل ان نسبة تسوس الأسنان لم تكن عالية في أوساط سكان المنطقة، الأمر الذي قد يعكس انهم كانوا يعتمدون في غذائهم على الأسماك والمحار وربما بعض التمور إن وجدت. وقد توفرت بعض المؤشرات على تكدس للثروة خلال فترة وادى سوق من خلال صنف مثير للاهتمام من البروشات الذهبية والفضية/الذهبية (الالكتروم) في شكل حيوانين يقفان ظهرا لظهر، وذيلاهما ملفوفان بطريقة حلزونية في كثير من الأحيان. وهناك نماذج معروفة منها الآن في ضية والقطارة والبدية. وربما نجمت بعض هذه الثروة عن تجارة النحاس مع الخارج، وهي سلعة اشتهرت ديلمون (البحرين) ببيعها بالتجزئة إلى سوق مدينة أور التجارية في جنوب شرق بلاد وادى الرافدين في مطلع العصر الألفي الثاني قبل الميلاد.

إن اكتشاف أكثر من ستمائة من كسور الأواني الفخارية البربرية الحمراء الأضلع، والتي ظهر الآن أنها تطابق فخاريات مستوطنة سعر SAAR في البحرين يشير إلى وجود اتصالات في ذلك الاتجاه. علاوة على ذلك، كان لدى تل ابرق وشمل على حد سواء فخاريات تعود لما بعد فترة (هاربان) HARAPAN في نصوص مطلع العصر الألفي الثاني الأمر الذي يوفر الدليل على وجود اتصالات مستمرة مع وادي السند في ذلك الوقت.

أواخر العصر الألفي الثاني إلى أواخر العصر الألفي الأول قبل الميلاد(1200 ق.م - 300 ق.م)

حدثت عدة ابتكارات في أواخر العصر الألفي الثاني قبل الميلاد أدت إلى إحداث ثورة في اقتصادات جنوب شرق شبه الجزيرة العربية. وغنى عن القول إن ترويض الجمل الذي شهدته نهاية العصر الألفي الثاني قبل الميلاد في تل ابرق كان فاتحة لإمكانيات جديدة في مجال النقل البري، بينما أدى اكتشاف نظام الفلج لنقل المياه من الطبقات الصخرية المائية إلى الجنائن عبر قنوات إلى إمكانية التوسع في ري الجنائن والأراضي الزراعية مما نجم عنه انفجار حقيقي في الاستيطان عبر شبه جزيرة الإمارات/عمان.

وتقليديا كان يشار إلى الفترة من 1200ق.م إلى 300ق.م (كعصر الحديد). بيد أنه ليس هناك تعبير أقل ملاءمة من هذا، حيث أن الحديد لم يستخدم في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية حتى الفترة التالية.

وباستثناء مدفن في السماح في رأس الخيمة يحتوي على مواد من العصر الحديدي الأول، فان جميع الأدلة الخاصة بالعصر الحديدي الأول تأتي من المواقع الساحلية الخليجية في موقعى شمل، وتل أبرق، وسلسلة من ركام المحار في موقع الحمرية في الشارقة. هذا وقد تواصلت أهمية السمك والمحار في طعام سكان العصر الحديدي الأول، على الرغم انهم كانوا يربون الضأن والماعز والماشية الأليفة، كما انهم استغلوا أيضا الغزلان، والمها العربية، والأطوم والسلاحف وطيور الغاق. إلى جانب ذلك كانوا يقومون بزراعة القمح والشوفان، وظلت أشجار النخيل هامة كالعادة.

كان العصر الحديدي الثاني هو العصر (الكلاسيكي) الحديدي في دولة الإمارات، وتشهد على ذلك الحفريات التي كشفت عن عدة مبان من الآجر الطينى في عدد من المواقع كالرميلة، وبنت سعود، والهيلي2، والهيلي 14، والهيلي 17 في منطقة العين، وأيضا في الثقيبة وأم سفح في سهل المدام، ومويلحة في المناطق الصحراوية الرملية بالقرب من مطار الشارقة الدولي. كما تم تحديد العديد من المدافن والمستوطنات في مواقع أخرى، وتشير التقديرات إلى انه تم توثيق حوالي 150 موقعا على الأقل عن هذه الفترة في دولة الإمارات وسلطنة عمان المجاورة. ويعزى الانفجار في المستوطنات في هذه الفترة بصفة عامة إلى اختراع تقنية الرى بالأفلاج، كما أن أسلوب الزراعة باستخدام المعزقة قد يستنتج من اكتشاف نصل معزقة برونزية في موقع الرميلة.

ولعله من المثير ملاحظة أن العصر الحديدي الثاني شهد أيضا ظهور معاقل حصينة، مثل الهيلي 14 في العين، وحصن مضب في الفجيرة، وجبل بحايص شمال المدام، والرفاق في وادي القور. ويمكن القول بأن الغرض من هذه الحصون والقلاع حماية المستوطنات الزراعية المرتبطة بها خاصة أفلاجها الثمينة، كما أن تركيز القوة في مثل هذه المراكز كان ظاهرة اجتماعية وسياسية هامة. وقد يستدل على السيطرة السياسية والاقتصادية من قبل أجهزة مركزية في هذا الوقت من خلال ظهور تقليد صناعة أختام عثر عليها في عدد من المواقع بما في ذلك الرميلة.

مويلحة، تل أبرق وبنت سعود

كانت هناك مؤشرات على وجود اتصالات بالمناطق الخارجية من خلال العثور على قلادة حجرية ناعمة في تل ابرق تظهر شكلا يُذكّر بصورة الروح الشريرة التي كان يعتقد بأنها تسبب انتشار الأمراض في العصر الاشوري الحديث والعصر البابلي الحديث. كما أن هناك اعتقادا سائدا بأن هذه القلادات تحمى صاحبها من الأمراض. وتتضح المؤشرات أيضا على وجود اتصال فعلى بالعالم الخارجي من خلال قلادة أخرى على هيئة قارب في تل أبرق، وهو الأثر الوحيد الذي يصور العصر الحديدي في شبه جزيرة الإمارات/عمان. ويبدو القارب مربع الشكل في المؤخرة مع زوايا حادة وشراع مثلث الشكل. ومن الواضح انه يشبه القارب الشراعي العربي المثلث الشكل الذي لم تشهده المنطقة إلا في فترة الساسانيين، كما لم يكن معروفا في منطقة البحر الأبيض المتوسط حتى العام 900 ميلادية. ويستنتج من ذلك أن قلادة تل أبرق كانت أقدم صورة للقارب الشراعي يتم اكتشافها حتى الآن.

لم تكن المرحلة الفرعية الثالثة والأخيرة من العصر الحديدي معروفة بصورة جيدة، على الرغم من وجود 6 مستوطنات بمافي ذلك تل ابرق، وشمل، والرميلة، والهيلي 17، والهيلي 2، وند الزبة، والثقيبة، إضافة إلى مدافن في وادي القور وواحة دبا.

فترة مليحة (أواخر ما قبل الإسلام) 300 سنة قبل الميلاد

لا بدّ أن اضمحلال الإمبراطورية الفارسية كانت له آثار وتداعيات على منطقة جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، حيث انه مع هزيمة داريوس الثالث وموته، لم تعد منطقة ماجان ولاية فارسية تخضع لحكم مرزبان. وعلى صعيد آخر لم تشمل فتوحات الاسكندر الأكبر الجانب العربي من الخليج. وعلى الرغم من انه ورث الجزء الأكبر من الإمبراطورية الاخمينية، فان الخطط الأخيرة للقائد المقدوني والتي تضمنت غزو شبه الجزيرة العربية، لم تتقدم مطلقا فيما وراء مرحلة الاستطلاع الأولية. وهكذا، وبحلول القرن الثالث قبل الميلاد كان جنوب شرق شبه الجزيرة العربية متحرراً من النفوذ السياسي الأجنبي. وانه يتعين النظر للتطورات التي شهدتها القرون اللاحقة من خلال هذا الواقع، ذلك أن أيًا من خلفاء الاسكندر الأكبر لم يتمكن من فرض سيطرة الإغريق في هذه المنطقة. وباستثناء مليحة التي كانت مستوطنة تمتد لعدة كيلومترات على سهل من الحصباء جنوب الذيد، لا توجد أي مستوطنات أخرى يمكن أن تنسب إلى هذه الفترة. وتمثل مستوطنات مليحة استقرار الإنسان بصورة متواصلة في منطقة تتوفر فيها مقومات الحياة من ماء ووسائل رى جيدة منذ أواخر عصر ما قبل التاريخ. ويلاحظ أن المستوطنات التي قامت في وقت مبكر من فترة ما بعد العصر الحديدي شيدت من سعف النخيل والمواد المحلية الأخرى لتناسب الطقس الحار لشبه جزيرة الإمارات/عمان. بيد أن الموتى كانوا يدفنون في مقابر أكثر تماسكا وقوة باستخدام الآجر الطينى تعلوها أبراج صلبة من الآجر تتوجها شرفات حجرية مزخرفة. وتذكرنا هذه البنيات، التي لم تكن لها سابقة في المنطقة، بالقلاع التي استخدمت كمدافن في تدمر، وقرية الفاو، وفي الفترات الأولى في البتراء. كما نجد أن هذه المستوطنات والمدافن على حد سواء قد حفلت بكميات من الأواني الخزفية، كان من الواضح ان بعضها تم تصنيعها محليا بعد إدخال بعض التعديلات على النقوش التي كانت سائدة إبان العصر الحديدي، والبعض الآخر تم استيرادها من خارج المنطقة وتتضمن الخزف اللامع والتي يبدو أنها من إنتاج جنوب غرب إيران أو جنوب العراق، بالإضافة إلى الأواني الحمراء والسوداء التي يعرف من شكلها أنها آتية من شمال شرق شبه الجزيرة العربية، أو جزر البحرين أو فيلكا المجاورة، هذا إلى جانب أوانٍ خزفية إغريقية مستوردة من بحر إيجه أو البحر الأبيض المتوسط. وتذكرنا بعض الأواني كالأباريق المصنعة من البرونز المحفور وأخرى مرمرية على شكل خلايا النحل عثر عليها في مليحة 2 ببعض النماذج من جنوب شبه الجزيرة العربية، وهذه حقيقة هامة فيما يتعلق باستعادة العديد من المواد (أعمدة حجرية، وطاسات برونزية) تعود إلى منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية شأنها شأن عدد من القطع النقدية المعدنية التي تم العثور عليها في سطح الموقع.

إن أحد أكثر الابتكارات التي تميز أواخر عصر ما قبل الإسلام هو ظهور الحديد لأول مرة في السجلات الأثرية لمنطقة جنوب شرق شبه الجزيرة العربية. فإلى جانب المواد المفيدة كالمسامير، استخدمت أيضاً السيوف الطويلة ورؤوس السهام. وسواء تم تصنيعها محليا أم لا، فهذا أمر آخر، لكن بالإضافة إلى وجود مناطق تزخر بالحديد بالقرب من جبل الفاية، وجبل املح، وجبل البحيص إلى الجنوب من مليحة، فان سطح الموقع نفسه تتناثر فيه بقايا قطع حديدية مما يوحى بقيام بعض صناعات صهر وسبك الحديد في المنطقة. أما لماذا لم يستخدم الحديد مبكرا فانه سيظل لغزا محيرا. وربما كانت وفرة موارد النحاس في جبال الحجر والتقليد القديم في صناعته عاملا هاما ساهم في عدم الاهتمام المبكر بصناعة الحديد.

فترة الدور (أواخر ما قبل الإسلام) (صفر ق.م-200ميلادية)

بحلول القرن الأول قبل الميلاد توفرت مادة مكتوبة لا بأس بها، وإن كان من الصعوبة الاسـتفادة منها. وفي العام 77 ميلادية اكمل الكاتب الروماني بلين الأصـغر (23/24-79 ميلادية) كتابه (التاريخ الطبيعي)، ومن خلال وصفه لشعوب ومناطق جنوب شرق شبه الجزيرة العربية إضافة إلى ما شهدت به خريطة بطليموس لشبه الجزيرة العربية في القرن الثاني الميلادي، يتضح لنا أن منطقة الإمارات كانت تعج بالمستوطنات والقبائل والتضاريس الطبيعية التي سجل أسماءها. أن تحديد هذه الأماكن ومطابقتها مع المواقع الأثرية أمر صعب، إلا انه قيل بأن مدينة عمانه، التي أشار عدد من الكتاب السابقين إلى أنها كانت أحد اشهر الموانئ في كارمانيا، يمكن اعتبارها تلك المستوطنة الضخمة التي تبلغ مساحتها 4 كلم مربع تقريبا في منطقة الدور في أم القيوين. كما أن الموقع نفسه ورد ذكره، في الوقت نفسه في PERIPLUS OF THE ERYTHAEAN SEA، وهو نص هام يؤرخ للحركة التجارية البحرية بين الإسكندرية في مصر وبريجازا في الهند. ومهما يكن من أمر، فإن المخلفات الأثرية في منطقة الدور لا تدع مجالا للشك في أن هذا الموقع كان أكثر المستوطنات الساحلية أهمية في الخليج الأدنى خلال القرون الميلادية الأولى.

شيدت معظم المباني في هذا الموقع من صخور ساحلية جيرية متحجرة تتكون في مناطق المد والجزر الساحلية الضحلة ويمكن تكسيرها بسهولة واستخدامها كمواد بناء. وقد كشفت الحفريات وجود منازل ضخمة مكونة من عدة غرف وأبراج دائرية الشكل، بالإضافة إلى منازل مكونة من غرفة واحدة. واكتسب استخدام المرمر كغطاء للنوافذ أهميته من انه يقدم أول دليل أثري على استخدام هذه المادة لهذا الغرض في شبه الجزيرة العربية. أما المدافن فكانت إما في شكل قبور بسيطة لدفن الأفراد أو ضخمة شبه تحت أرضية وتتضمن مقابر جماعية تتكون من غرفة تحت أرضية يتم الوصول إليها عبر درج وتعلوها قبة أشبه بالبرميل. وتغلب على الخزف الذي عثر عليه هنا الاواني الفخارية اللامعة ويرجح انه من صنع بارثيا وقد استجلب من جنوب بلاد مابين الرافدين أو جنوب شرق إيران. وكانت عمانه أهم ميناء في الخليج الأدنى وتمت توأمتها مع ميناء أبولوجوس الواقع في مدخل الخليج الذي ربما كان يقع في مكان ما بالقرب من مدينة البصرة الحديثة، كما انه كان أحد المنافذ البحرية الرئيسية لمملكة ميسان CHARACENE . وبينما كانت الحركة التجارية من البحر الأحمر وعبر المحيط الهندي توفر أحد الطرق الرئيسية لحصول الرومان على منتجات الهند والشرق، وفرت حركة القوافل البرية بين تدمر (PALMYRA) في سوريا ومدن VOLOGESIAS، SELEUCIA وSPASINOU CHARAX في العراق ومنها بالبحر عبر ممر ميسان CHARACENE إلى عمانه ثم إلى الهند، طريقا بديلا للتجارة. ويرجح ان الطريق الأخير ربما كان السبيل الذي نفذ من خلاله الزجاج الروماني إلى منطقة الدور حوالي القرن الأول الميلادي.

لاشك أن السلطة السياسية التي يفترض المرء أنها كانت موجودة في مركز تجاري ضخم كالدور قد تركزت في القلعة التي اكتشفتها بعثة تنقيب عراقية في العام 1973. وقد شيدت القلعة، التي يبلغ طولها 20 مترا في أحد جوانبها وتحيط بها أربعة أبراج، قطر كل منها 4 أمتار، من الصخور الساحلية وتشبه تحصينات بارثيا PARTHIAN المعاصرة في بلاد وادي الرافدين.

وإلى الجنوب من هذه القلعة يوجد معبد هام اكتشفته بعثة آثار بلجيكية، وهو عبارة عن غرفة واحدة بسيطة مربعة الشكل يبلغ طولها 8 أمتار في أحد جوانبها مبنية من الصخور الساحلية مطلية بالجبس وأشبه بالمباني المشيدة من الحجارة المربعة. وعثر في داخلها على محرقة بخور منقوش عليها اسم (شمس) باللغة الآرامية، وتدل على أن هذا المعبد كان مكانا مقدسا مكرسا لعبادة آلهة الشمس.

وبينما كانت الدور المستوطنة الرئيسية خلال هذه الفترة على ساحل الخليج، كانت مليحه دون شك المركز الرائد في الداخل. ولعل من أهم الاكتشافات خلال الحفريات الأخيرة في هذا الموقع قلعة مربعة الشكل مع أبراج مربعة في أركانها، وحائط خارجي رئيسي يبلغ طوله 55 مترا. إضافة إلى ذلك كان يوجد في القلعة قالب حجري لصناعة العملة المعدنية، وبما أن سلطة سك النقود كان حقا مقصورا على السلطة الحاكمة في العالم القديم، فمن المرجح أن قلعة مليحه كانت تمثل مركز السلطة السياسية في تلك المنطقة. وقد تم اكتشاف المئات من هذه القطع النقدية في كل من مليحه والدور وكانت على غرار عملة الاسكندر الأكبر التي كانت تحمل في واجهتها الأمامية صورة رأس هرقل مرتديا جلد أسد، وتحمل الواجهة الخلفية مجسما جالسا على هيئة الإله اليوناني زيوس. وبينما تحمل العملة الإغريقية الأصلية في خلفيتها اسم الاسكندر الأكبر مكتوبا بالإغريقية تحمل عملة مليحه والدور نقشا باسم ابيعل الذي يمكننا الاستنتاج بأنه كان حاكما هاما في هذه المنطقة خلال أواخر عصر ما قبل الإسلام.

نهاية عصر ما قبل الإسلام (240

- 635م) على الرغم من الجدل الطويل حول قوة النفوذ السياسي للبارثيين PARTHIANS في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، إلا انه لاشك ان خلفاءهم الساسانيين سرعان ما فرضوا إرادتهم على سكان المنطقة بعد استيلائهم على السلطة. ومع ذلك ومن الناحية الأثرية لم تتوفر الكثير من الشواهد على وجود الساسانيين في الإمارات، وكل ما في الأمر انه تم العثور على بعض القطع المعدنية في ساحل الخليج تضمنت زوجا من العملة البرونزيـة غير محفوظتين بصورة جيدة من عصر اردشير وشـابور الثاني (309-379) في منطقة غاله وهي جزيرة في بحيرة أم القيوين. كما عثر على قطعة نقدية فضية للملك الأخير في تل أبرق، بالإضافة إلى ثماني عشرة قطعة نقدية في الفجيرة بعضها صدرت في عصرى الإمبراطورين الساسانيين الأخيرين هرمز الرابع (750-950) وخسرو الثاني (590-628).

وفي المناطق الداخلية نجد عدة مدافن بداخلها أسلحة من الحديد (رماح وسيوف.. الخ) بالقرب من جبل املح AL EMALAH تعود لفترة ما قبل الإسلام. وعثر في أحد القبور على سيف مصنوع من الحديد تم تحديده بالفترة 455-583 ميلادية باستخدام الأشعة الكربونية، هذا بالإضافة إلى هيكل شخص ومعه رمح حاد الطرف يعود تاريخه إلى الفترة 513-624م. وفي مقبرة ثالثة بجبل املح اكتشف عتاد حربي وهيكل جمل. بيد أن من الخطأ الاعتقاد من خلال دفن الجمل بأن الوثنية العربية أو الزرادشتية الناجمة عن النفوذ الساساني هي التي كانت سائدة، حيث ان المسيحية النسطورية كانت ايضا عنصرا مكونا هاما في الاعتقاد الروحي في هذه المنطقة.

في العام 424م حضر يوهانون أسقف مزون مجمعا كنيسيا في مرقبطه MARHABTA في العراق وهو المكان الذي أعلنت فيه الكنيسة النسطورية استقلالها عن أنتيوش ANTHIOCH. وكان هذا أول دليل مادي على نفوذ المسيحية النسطورية في منطقة جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، على الرغم من أن السيرة الذاتية للراهب يوحنا الذي تولى رئاسة الكنيسة النسطورية خلال الفترة 343-346، تشير إلى انه بنى ديرا على حدود الجزيرة السوداء والتي اعتقد بعض الدارسين للمسيحية النسطورية أنها إحدى الجزر الواقعة بين عمان وقطر. وفي هذا السياق يمكن الأخذ في الاعتبار جزر ساحل أبوظبي التي يمكن ان تكون مقراً لدير يوحنا. وتعتبر الاكتشافات الأخيرة في جزيرة صير بني ياس التي كشفت عن وجود كنيسة او دير مكتمل ومطلى بالجبس المنحوت بما في ذلك الصليب، على قدر عال من الأهمية في هذا المجال.

كانت مزون ضمن قائمة ارمينية هامة من مقاطعات الإمبراطورية الساسانية الأمر الذي يؤكد أن هذه المنطقة كانت تحت سيطرة الساسانيين عند بزوغ فجر الإسلام.

وقد ورد في بعض المصادر الأدبية اسم مدينتي توام ودبا، وعلى الرغم من أن توام تم تحديدها بمنطقة العين الحالية وواحة البريمي، إلا أنه لم يتم تحديد موقعها الأثري على وجه الدقة نسبة لعدم اكتشاف أية آثار في هذه المنطقة من مخلفات فترة ما قبل الإسلام المعاصرة لفترة سيطرة الساسانيين. أما دبا فإنها لا تزال اسما لواحة سكنية وميناء كبير على الساحل الشرقي لدولة الإمارات، وما تزال آثارها التي تعود إلى أواخر عصر ما قبل الإسلام تنتظر من يكتشفها، إلا أن المادة المدوّنة عنها متوفرة بكثرة.

في كتابه (المحبر) وصف ابن حبيب مدينة دبا بأنها (إحدى مينائين عربيين يرتادهما التجار من بلاد السند والهند والصين وأيضا أناس من الشرق والغرب). وكانت دبا تدفع ضريبة إلى الجلنده بن المستكبر بمناسبة المعرض الذي يعقد سنويا لخمس ليال اعتبارا من اليوم الأول من شهر رجب. إن الأهمية التجارية التي كانت تحظى بها مدينة دبا في ذلك الوقت، تفسر لنا اهتمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) بهذه المدينة ومخاطبة جيفر وهو من سلالة الجلنده برسالة حملها ابو زيد وعمرو بن العاص في سنة 630، يدعو فيها أهل دبا إلى اعتناق الإسلام. وبعد سنوات عدة أصبحت دبا مركزا للقيط بن مالك زعيم حركة الردة التي سحقتها جيوش الخليفة أبوبكر الصديق (رضى الله عنه).

هذا وقد استمر نفوذ المسيحية في مزون لبضعة عقود بعد ظهور الإسلام، حيث حضر الأسقف ستيفن مجمعا كنسيا في بلاد مابين الرافدين في العام 676م. وكان اعتناق المسيحيين للإسلام واسعا وهو ما أثبتته مجموعة رسائل الأسقف المسيحي النسطوري إيشويهب الثالث إلى الأسقف سيمون من أسقفية أردشير في إيران يتذمر فيها من اعتناق أهل مزون للإسلام. وأعقب تلك الفترة غياب الأساقفة عن حضور أى مجمع كنسي للكنيسة النسطورية، ويقوم هذا كدليل على انحسار المسيحية في منطقة جنوب شرق شبه الجزيرة العربية بعد مطلع القرن السابع الميلادي.

جولة في آخر الاكتشافات الأثرية وفي العام 622

للميلاد بزغ فجر الإسلام في الجزيرة العربية وكان أهل الإمارات وعمان من أوائل الأقوام التي اعتنقت الدين الإسلامي طوعا بعد أهل اليمن. وبالرغم من غياب المواقع الأثرية من عصر صدر الإسلام يحدثنا المؤرخون عن مدينة دبا الكائنة شمال مدينة الفجيرة حيث وقعت فيها أكبر المعارك بعد وفاة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما ويشير الدليل المادي إلى أن منطقة جميرة قرب مدينة دبي كان لها شأن كبير في عصر صدر الإسلام.

فالموقع الأثري في هذه المنطقة من دبي يمثل بقايا مدينة إسلامية من العصر الأموي كانت تتحكم بطرق التجارة آنذاك. ومن مرافق هذه المدينة التي كشف عنها والمطلة على ساحل الخليج العربي بيت للحاكم وسوق تجارية صغيرة ومرافق سكنية.

ومن المدن الإسلامية الكبيرة المعروفة في الدولة كذلك مدينة جلفار الواقعة على شاطئ الخليج شمال مدينة رأس الخيمة الحالية. لقد كانت مدينة جلفار ذائعة الصيت منذ القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) واشتهرت بعلاقاتها التجارية مع الصين ومناطق أخرى من شرق آسيا واستمرت كذلك حتى أفل دورها في القرن السابع عشر الميلادي.

لقد كشفت الحفائر المستمرة في هذه المدينة عن بيوت سكنية وما لا يقل عن أربعة مساجد تتعاقب فوق بعضها البعض. ومن العصور الإسلامية المتأخرة التي تعود إلى القرون القليلة الماضية هناك عدد كبير من المواقع الأثرية التي كانت مأهولة بالسكان. فاللقى الأثرية المنتشرة على سطوح هذه المواقع الأثرية التي كانت مأهولة بالسكان تدل على انه كانت هناك أقوام تتجول ما بين السواحل والواحات والصحاري.

وفيما بين القرنين السابع والسابع عشر الميلاديين انطلق بحارة الإمارات، مستفيدين من الخبرات الملاحية التي توارثوها عن أجدادهم، فجابوا المحيط الهندي ووصلوا بتجارتهم إلى ممباسا في كينيا، وإلى سريلانكا وفيتنام والصين. وكانوا يبحرون بسفن الدور الخشبية الضخمة التي تماثل تلك التي مازالت تصنع حتى اليوم في البلاد.

إن البراهين على عراقة التقاليد التجارية لذلك الشعب تبرز بوضوح في موقع جلفار في رأس الخيمة، حيث تختلط بقايا الخزفيات الصينية البديعة مع قطع الفخاريات الواردة من مناطق أقرب، كما أن سجلات البحارة البرتغاليين الذين كانوا أول من وصل الخليج في القرن السادس عشر تؤكد ذلك. فأحد أولئك البحارة، وهو دوارتي بارباروس، كتب في العام 1517 "إن سكان جلفار أثرياء وملاحون عظام وتجار جملة، والخليج مصدر وفير جدا للأسماك واللآلئ الصغيرة والكبيرة".

لقد كان أحمد بن ماجد واحدا من أعظم ملاحي الإمارات. وقد استفاد البرتغاليون من معرفته بالطرق التجارية وأحوال الرياح في المحيط الهندي، فساروا على نهجه.

إلا أن قدوم البرتغاليين كان مزدوج الأثر. فمن ناحية فتحوا المجال أمام اتصال المنطقة بأوروبا. لكنهم فعلوا ذلك بعد معارك عديدة وعبر الكثير من إراقة الدماء والدمار الذي لحق بمدينتي جلفار وخورفكان على الساحل الشرقي. وفي أوائل القرن الثامن عشر كانت جلفار مهجورة كليا، وأخذت التقاليد التجارية العريقة بالانقراض.

في أعقاب ذلك، وبينما كانت القوى الأوروبية مثل البرتغال وهولندا وبريطانيا تتنافس على السيطرة على المنطقة، أخذت قوة جديدة في الإمارات تبرز تدريجيا. وكانت تلك دولة القواسم الذين مازال أحفادهم يحكمون إمارتي الشارقة ورأس الخيمة حتى اليوم. وقد استفاد القواسم من الخبرات البحرية العريقة المتوارثة، فبنوا أسطولا يضم أكثر من 60 سفينة ضخمة، وكان لديهم حوالي 20 ألف بحار، لكن قوتهم أخذت تشكل تحديا خطيرا للبريطانيين الذين برزوا في ذلك الوقت كقوة مسيطرة في منطقة المحيط الهندي. ولذلك كانت المواجهة بين الجانبين حتمية. وخلال العقدين الأولين من القرن التاسع عشر جرت سلسلة من المعارك البحرية بينهما أسفرت عن تدمير أسطول القواسم بصورة شبه كاملة وتعزيز النفوذ البريطاني في الخليج.

وقد زعم البريطانيون أن القواسم كان لهم ضلع في عمليات القرصنة وأدى ذلك الزعم إلى تسمية المنطقة "ساحل القراصنة". إلا أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة دحض تلك المقولة بصورة قاطعة في كتابه (أسطورة القرصنة العربية في الخليج). وأظهر بوضوح أن السبب الكامن وراء التدخل العسكري البريطاني هو الرغبة في السيطرة على الطرق التجارية بين الخليج والهند، وكان القواسم يسيطرون على ضفتي الخليج العربي والجزر الواقعة فيه حيث كان جزء من القواسم في جزيرتي قشم وصرّي والجزء الآخر في جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى.

تمكن البريطانيون في مطلع العام 1820 من تثبيت مركزهم في الخليج، وأبرموا سلسلة اتفاقيات مع كل من شيوخ الإمارات آنذاك. ثم عززوا تلك الاتفاقيات بمعاهدة هدنة بحرية أكسبت المنطقة اسما آخر هو "الساحل المتصالح".

وكان السلام في البحر يعني انه يمكن استغلال مصايد اللؤلؤ التي يبلغ عمرها خمسة آلاف عام، والموجودة في مياه الخليج الأدنى، بدون مشاكل. وأدى ذلك إلى استئناف تصدير اللآلئ البديعة من الإمارات إلى الهند، بل وحتى إلى أوروبا حيث أخذ سوقها بالازدهار. وهكذا انتعشت صناعة صيد اللؤلؤ خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين فوفرت مجالاً للعمل ومصدراً للدخل.

إلا أن الحرب العالمية الأولى وجهت لتلك الصناعة التي جلبت الثروة لسكان الإمارات مدة تزيد على 4000 عام، ضربة قاسية. وجاءت نهايتها بعد ذلك كنتيجة حتمية لأمرين هما الكساد الاقتصادي العالمي في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات من هذا القرن، واختراع اليابان طريقة لإنتاج اللؤلؤ صناعيا. وفي الوقت الحاضر مازالت تقوم بعض عمليات صيد اللؤلؤ كمهنة تراثية أكثر منها للتجارة.

تطورت الإمارات بعد ذلك ببطء خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على الرغم من انتهاء مرحلة الحروب البحرية المدمرة، وذلك نتيجة لانعدام الموارد الاقتصادية الحقيقية. وكان من أعظم شخصياتها في تلك الفترة الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان جدُّ رئيس الدولة الحالي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي حكم أبوظبي أكثر من 50 عاما، بين 1855 و1909 وكان يلقب بـ (زايد الكبير).

كانت تلك الفترة أيضا حافلة بالتغييرات السياسية. فمنذ أوائل الخمسينات كان حكام الإمارات السبع يلتقون في إطار "مجلس الدول المتصالحة". وفي السادس من أغسطس 1966 تسلّم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي.

ويمثل هذا التاريخ علامة بارزة في حياة هذه المنطقة إذ انه يشكل البداية الحقيقية للنهضة الحديثة التي تشهدها الآن والتي تُوجت بقيام دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر 1971 وبالسياسة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد الذي انطلق من إيمان راسخ بتسخير الثروة لخير البلاد وأبنائها وسعادتهم وتوفير الحياة الكريمة لهم. وفي العام 1968، عندما أعلن البريطانيون انهم ينوون مغادرة الخليج بحلول العام 1971، شرع الحكام تحت قيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وصاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في إقامة دولة الاتحاد. تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 1971، وشهدت منذ ذلك الحين تطبيق برنامج تنمية ضخم تغذيه الواردات النفطية ويستهدي ببعد نظر قادتها. واليوم، بعد مرور 33 عاماً أصبحت دولة الإمارات تمتاز بالمرافق المتطورة العصرية دون أن تتخلى عن تراثها وتاريخها العريقين، مما جعل منها قبلة للزوار القادمين من كل أرجاء المعمورة.

إن هذا الاستعراض السريع للماضي العريق لدولة الإمارات العربية المتحدة لدليل على أصالة هذا الماضي الذي كان قد بدأ قبل خمسة آلاف عام على الأقل. فتواصله عبر جميع هذه الحقب الزمنية مرورا بالعصور المبكرة منها والوسيطة والحديثة لدليل آخر على عراقة هذا الماضي. وما وصلت إليه هذه الدولة الفتية التي لم يتجاوز عمرها ثلاثة عقود من درجة في الرقي والتطور دون أن تفقد أصالة ماضيها وتضيّع تراثها لدليل على حكمة قائدها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قال "من ليس له ماضٍ لا حاضر له ولا مستقبل".

 

 


 

 
الإتصال بنا - جميع الحقوق محفوظة ©